ما فائدة الاقتصاد كعلم إن لم يقم على التعلم؟

شارك

كتب: ريم عبد الحليم
أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة باحثة متخصصة في شؤون الفقر

أعمل الآن مع الاتحاد النوعي للتنمية الاقتصادية (FEDA) على دراسة لدمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، ولأن الدراسات تكاثرت في هذا الشأن، بدأنا هذه الدراسة لتكون دليلا عمليا لهذا الدمج يتضمن خطوات للحركة على الأرض.

 فكان لقاء مجموعات بحثية بمنهجية منضبطة الإعداد أمر هام، ومن خلال تلك اللقاءات استطعنا الوصول لفهم منطقي ومتكامل للمشكلات التي تواجه القطاع الرسمي وكيف تؤثر على رغبة العاملين في القطاع غير الرسمي للتحول للرسمية، المشاكل التي يعانون منها بشكل شبه يومي مع المحليات والهيئات الحكومية المختلفة، وهذا أمر لا يمكن الوصول له من خلال أي قراءات بحثية أخرى.

ومع تجربتي في إعداد هذا الدليل تبين لي كيف أن قراءة الواقع بأدوات البحث الميداني تجعل صياغة السياسة الاقتصادية أكثر دقة وأكثر تواءما مع احتياجات المتأثرين بها وأكثر نفعا للدولة والمجتمع.

ومن وحي تلك الرحلة الميدانية لإعداد هذا الدليل، ومن سابق الخبرة العملية، اتضح لي اختلافات شاهدناها مثل:

مسؤول الحكومة: ننفق مبالغ كبيرة للتأمين الصحي على الطلاب والمرأة المعيلة

المستفيدين وفق البرنامج: لا نعلم عنه شيئاً ولم يصلنا من هذه المبالغ النفع المرجو

الباحث فى الميدان: لماذا؟ كيف نحل هذه المشكلة؟

فلنتصور محاولة حسم الإجابة على تساؤل "لماذا" من خلال المعادلات والأرقام في الغرف المغلقة، شبه مستحيل؛ للأسف، مع هيمنة أو تعمد العمل على إرساء فكرة أن الاقتصاد علم كهنوتى معقد، تلاشى ارتباط الباحث الاقتصادى بالواقع الذي يعيش فيه، وأصبح أكثر ارتباطاً بالكتب والمعادلات والغرف المغلقة التي يقضي فيها الباحث أيام محملقاً في معادلاته والافتراضات التي انبنت عليها نظريته؛ وكأنه سحر رقمي منفصل عن حياة الناس، وعن تركيبة الحركات الاجتماعية ونمط المصالح وتفاقم اللارسمية بشكل يُعَجِز الأرقام عن أية قدرات تحليلية وافية، وطبيعة السلوك الإنساني. فلو احتجت إثبات فكرة تربطها بخبرات ماضية وترسم المعادلة وتدرس سلوك متغيراتك ثم تكتب أسطرك عن محددات البحث ومشكلات البيانات وانتهى الأمر!

الواقع يفرض الجديد ويفرض تعقيداً لا يمكن أن تحويه المعادلات الصماء مهما بلغت دقتها، ولهذا فإن البحث القائم على الأدلــــــة Evidence Based Analysis هو الأساس الذي يجب أن تقوم عليه التحليلات الاقتصادية، بدون دليل مكتمل لا يمكن افتراض شيء ومحاولة اثباته.

وهنا بدأت الدراسات الميدانية تأخذ وضعية هامة في التحليل الاقتصادي، بجانبيها الكمي أي البحث عن مؤشرات رقمية واضحة، والكيفي الباحث عن قصص أصحاب المصالح واللاعبين الاقتصاديين وتدارس أحوالهم بعمق من خلال المقابلات المتعمقة مع أصحاب المصالح وبحوث المعايشة معهم والمجموعات البؤرية، بشكل يسهم حقاً في تغيير الواقع وليس سرد بعض أفكار الباحث عنه. وتبقى سلامة المنهجية في اختيار العينة البحثية وتصميم خريطة أصحاب المصالح الواجب تضمينهم فى البحث مهارة وعلم يحكم لحد بعيد جودة النتائج.

تساعد الدراسات الميدانية السليمة منهجياً على تخطي أزمات عدم جودة البيانات المنشورة في الحالة المصرية، وعلى تفهم ما تعكسه من حقائق في حالة كونها بينها جيدة، في الوقت نفسه تسهم في حسم صراعات التعنت في وجهات النظر بمحاولة تفهم أوجه الخلاف في الإدارة الاقتصادية وتقديم حلول عملية لها؛ وهو ما تعجز عنه المعادلات والقياسات بشكل كبير.

Hello World!

TOP