قوة الإخفاق

شارك

كتب: جون كستر

 عند النظر إلى شركات التكنولوجيا الحديثة الكائنة في سيليكون فالي، أو بوسطن، أو مثلث الأبحاث الواقع في ولاية كارولينا الشمالية، فمن السهل استشعار النجاح ولا شيء سواه. إلا أن سرًّا من أسرار ريادية الأعمال يكمن في استناد جميع تلك النجاحات إلى ثقافة ترعى الإخفاق، بل وتُشجعه.

تُمثل هذه الحقيقة واقعًا صادمًا بالفعل، لا سيما وقد أكد عليها الباحثون في مجال الأعمال مرارًا وتكرارًا، حيث وجدوا أن الأماكن التي يصادف رياديو الأعمال فيها النجاح الأكبر هي الأماكن التي لا تعاقبهم أو تنبذهم في حالة إخفاقهم أو فشلهم. فقط، النظام الذي يسمح للأفراد بالمخاطرة والمجازفة هو الذي يجني الثمار العظيمة الناجمة عن الابتكارات الجبارة. وبحسب "جوناثان أورتمان" (Jonathan Ortmans) فإن "البيئة المثلى للابتكار لا تكتفي بالاحتفاء بالنجاح، وإنما تقبل أيضًا – بل وربما تُشجع – الإخفاق والفشل".

ومما لا شك فيه أن جميع رياديي الأعمال يستفيدون من أنظمة التعليم الجيدة، والمحاكم الفعالة التي تلتزم بتنفيذ العقود والاتفاقات، والأسواق المالية الرصينة، والبنية التحتية الجديرة بالثقة، والتشريعات والقوانين التي لا تعرقل تأسيس المشروعات، ولا تخنق الأفكار الجديدة. إلا أنه غالبًا ما يتم إغفال القوانين والسياسات التي تكون مسئولة عن عدم نجاح فكرة جديدة، مثل: قواعد الإفلاس والخروج من السوق، وهياكل الشركات ذات المسئولية المحدودة، والمعاملة الضريبية الملائمة للمشروعات المعرضة للخسائر. فقد تكون جميع تلك العناصر على نفس درجة الأهمية من حيث تحفيز ودفع الابتكار.

قد تبدو هذه الفكرة -للوهلة الأولى- مخالفة للمنطق، خاصةً في حالة البلدان النامية، التي يفتقد فيها رياديو الأعمال مقومات الدعم الأساسية، والتي تُعد من البديهيات بالنسبة لأقرانهم في دول العالم المتقدم، مثل الاستفادة من خدمات شبكة كهربائية تسمح لهم بالاستمرار في ممارسة أعمالهم.

ولكن المخترع وريادي الأعمال "توماس إديسون" (Thomas Edison) لم يحظ بهذا الترف، حيث اضطر إلى إجراء الآلاف من التجارب الفاشلة قبل أن يصل في نهاية الأمر إلى التصميم الناجح للمصباح الكهربائي، ومن ثم البنية التحتية اللازمة لإمداده بالطاقة. وفي القرن الحادي والعشرين، ما زالت الشركة التي أسسها "إديسون" في عام 1880 تضمن -حتى اليوم- إمداد رياديي الأعمال في مدينة نيويورك وضواحيها بكهرباء تسمح لهم بممارسة أعمالهم. وقد صرح "إديسون" وقتئذٍ قائلاً: "أنا لم أخفق، بل وجدت 10000 طريقة لم تنجح". ويُرجع الكثير من المؤرخين الفضل إلى البيئة المواتية للمخاطرة والمجازفة السائدة نهاية القرن التاسع عشر في كلٍ من أمريكا وأوروبا لتشجيع ورعاية الابتكار التقني المُطرد، الذي أشعل فتيل الثورة الصناعية، وأحدث النمو الاقتصادي الهائل الذي شهده القرن العشرون. غير أنه قبل إدخال إصلاحات خاصة بإشهار الإفلاس والخروج من السوق، كانت الديون والحظ العاثر كفيلة بتدمير أي شخص، من التاجر الصغير إلى الأرستقراطي الغني.

حتى إن "أبراهام لينكولن" (Abraham Lincoln) أشهر إفلاسه عام 1833، شأنه شأن رئيسين أمريكيين آخرين في القرن التاسع عشر، إلى جانب العديد من الأمريكيين الأوائل المرموقين. وقد ساهم إلغاء سجون المدينين، وتعميم إجراءات تُنظم عمليات إشهار الإفلاس والهياكل المؤسسية التي تحد من المسئولية الشخصية للمستثمرين في إتاحة الفرصة لرياديي الأعمال للإقبال على المخاطرة والمجازفة؛ مما ساعد الولايات المتحدة والبلدان الصناعية الأخرى على النمو والازدهار.

كما أن "هنري فورد" (Henry Ford) -مبتكر أساليب الإنتاج الضخم الحديثة- أخفق في أربع شركات قبل أن ينجح في تطوير سيارة من طراز "تي" الشهيرة، التي أتاحت للجماهير إمكانية امتلاك السيارات، وهو الأمر الذي كان ممكنًا فقط بفضل الهياكل المؤسسية التي حدت من مسئولية "فورد" ومستثمريه. أما أعتى منافسي "فورد" -"وليام سي دورانت" (William C. Durant)- فقد اضطر للتخلي عن شركته "جنرال موتورز" عام 1910 بسبب تراكم الديون، ثم ما لبث أن أسس شركة "شيفروليه" في 1911. وبعد أربعين عامًا أضحت هاتان الشركتان من أنجح الشركات في العالم، حيث توظفان مئات الآلاف من العاملين.

مثالٌ آخر معاصر يتمثل في إجبار "ستيف جوبز" (Steve Jobs) على ترك شركة "آبل" في عام 1985 بسبب اختلاف في وجهات النظر، ومن ثم انطلاقه إلى تدشين شركة "نيكست كمبيوتر"، وعندما نفد رأس المال المؤسس للشركة، سعى "جوبز" نحو جمع مئات الملايين من الدولارات كرأس مال مشترك. وعلى الرغم من عدم تحقيق الشركة أي نجاح تجاري يُذكر، إلا أن الكثير من التقنيات والمفاهيم والأفكار الخاصة بها ساعدت "جوبز" فيما بعد على تحويل "آبل" إلى الشركة الأكثر ربحية على مستوى العالم في عام 1996. حتى إن شبكة الإنترنت ذاتها تم اكتشافها على حاسوب يعود إلى شركة "نيكست" عام 1991، مُحدثةً ثورة تقنية وتكنولوجية أثرت على صناعات بأكملها.

تحمل هذه الروايات الكثير من الدروس المستفادة بالنسبة للدول التي تحتاج بشدة إلى رياديي أعمال قادرين على دفع عجلة الابتكار وإحداث نمو اقتصادي حقيقي، فقد تم تعريف قواعد إشهار الإفلاس والخروج من السوق باعتبارها من أولويات السياسات الإصلاحية في مصر وعدد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي دول تجلى بها غضب رياديي الأعمال والعاطلين عن العمل من خلال ثورات الربيع العربي عام 2011. ففي الكثير من تلك الدول، يتعرض المدينون المتعثرون إلى احتمال الزج بهم في غياهب السجون، ما يُثني رياديي الأعمال والمستثمرين عن الإقبال على أي مخاطرة أو مجازفة.

ماذا قد يحدث اليوم إذًا لـ"هنري فورد" إن كان مصريًّا، أو لـ"ستيف جوبز" إذا كان تونسيًّا؟.. هل ينتهي بهما الأمر إلى الفقر المدقع أو السجن؟.. وهل سيجدان مستثمرين راغبين في الانخراط في أعمال تنطوي على مثل تلك المخاطر، أم يقبلان على الهجرة –شأنهما شأن الكثير من الأشخاص المتميزين والطموحين ذوي الخيارات المهنية المحدودة في موطنهم؟.. كان ذلك هو الطريق الذي اختاره عالمان سوفييتيان يافعان عام 1979، هما أبناء "برينز" (Brins)، الذي أصبح ابنه "سيرجي" (Sergey) -البالغ من العمر 6 سنوات آنذاك- شريكًا مؤسسًا في شركة "جوجل" عام 1998.

في سبيل خلق ثقافة مواتية لريادية الأعمال من شأنها دفع النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل، يجب على صناع السياسات فحص المنظومة المتكاملة للمؤسسات فحصًا شاملاً، بما فيها تلك التي تدعم رياديي الأعمال الناجحين، إلى جانب المؤسسات التي تستوعب غير الناجحين، الذين قد تسهم أفكارهم يومًا ما في تغيير العالم بأسره.

مواضيع ذات صله

Hello World!

TOP