صندوق النقد الدولي ودعم الغذاء في مصر

شارك

كتب: براندون نيكرسون
مساعد برامج، مركز المشروعات الدولية الخاصة

هذه المدونة مترجمة عن الأصل باللغة الإنجليزية:  Egypt’s Food Subsidies and the IMF

هذا الأسبوع، يعود صندوق النقد الدولي إلى مصر للاجتماع مع كبار المسئولين في الحكومة ومناقشة منح قرض للحكومة الانتقالية في البلاد بقيمة 3.2 بليون دولار أمريكي. وحتى الآن لا يزال من الضروري أن تنال هذه الحزمة التأييد من أي من جماعة الإخوان المسلمين أو حزب النور السلفي، اللذين ينتظر كلاهما معرفة تفاصيل أكثر عن الإجراءات الاقتصادية ذات الصلة بتلك الحزمة.

ومن بين الإصلاحات موضع النظر: إنهاء برنامج البليون دولار أمريكي لدعم الغذاء، وهو المسألة المثيرة للجدل تاريخيًّا في مصر. غير أن الحكومة المصرية قد تصبح في نهاية المطاف -مع إجراء الإصلاحات السليمة- قادرة على تحسين هذا البرنامج غير القابل للاستدامة دون التسبب في إثارة اضطرابات شعبية أو خلق مناخ من الشكوك يمكن أن يتسبب في خروج الاستثمارات الأجنبية التي يحتاج إليه البلد حاجة ماسة.

لقد اعتمدت الحكومات المصرية منذ وقت طويل على دعم الغذاء من أجل حشد التأييد الشعبي، ولم ينجح الرئيس السادات في محاولته عام 1977 لإلغاء الدعم على الدقيق والأرز وزيوت الطعام، حيث خرج مئات الألوف من المواطنين المحتجين إلى الشوارع. وفي عام 2008، خرج الناس مرة أخرى إلى الشوارع في القاهرة -كما حدث في مدن أخرى حول العالم- احتجاجًا على الزيادات الصاروخية في أسعار الغذاء، وكان من نتائج هذا قيام الحكومة المصرية بزيادة دعم المواد الغذائية، حتى أصبحت مصر الآن المستورد الأكبر للقمح في الأسواق العالمية.

وحسب مقال نشر مؤخرًا في صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، فإن دعم الغذاء اليوم يمتص 28% على الأقل من الموازنة العامة في مصر، بل إن الرقم يبلغ 10% من الناتج المحلي الإجمالي بعد إضافة دعم الوقود. وجاءت زيادة مستويات دعم الغذاء نتيجة لعدد من المشكلات البنيوية الناجمة عن ضعف القطاع الخاص. ومع تبلور المؤسسات الحاكمة الجديدة في مصر تتجلى الحاجة إلى خلق الفضاء اللازم أمام القطاع الخاص كي ينمو ويلعب دورًا في تقديم التغذية العكسية الضرورية لأي إصلاح تقوم به الحكومة.

ووفقًا لمؤشر البنك الدولي الخاص بأداء الخدمات اللوجستية تأتي مصر في الترتيب 106 عالميًا من حيث نوعية البنية التحتية ذات الصلة بالتجارة والنقل. ويؤدي ضعف البنية التحتية للموانئ، والنقص في منشآت التخزين البارد بها، إلى زيادة تكلفة السلع الأساسية مثل الأرز والحبوب، وهو العامل الذي يتسبب أيضًا في زيادة تكلفة دعم الغذاء.

وتتمثل المشكلة الثانية المتوطنة في سائر بلدان المنطقة في التجزئة والقيود الشديدة التي تعاني منها شبكة التجارة في المنطقة، فالحواجز الموضوعة أمام التجارة وغيرها من الأوضاع اللوجستية المعقدة -والتي تختلف من بلد إلى آخر- تتسبب في زيادة تكلفة المعاملات، مما يضيف المزيد إلى قيمة السلع الأساسية المهمة. وحسبما تقول ورقة بحثية أُعدت في جامعة أكسفورد بعنوان "اقتصاديات الربيع العربي": فإن "توفير بنية تحتية أفضل، من خلال الربط بين الأسواق الزراعية في المنطقة، يمكن أن يخفف من تقلبات أسعار الغذاء، ذلك لأن تكاليف النقل يمكن أن تبلغ 40% من السعر الكلي للغذاء في الإقليم".

إن إزالة الحواجز المفروضة على التجارة، وتحديث البنية التحتية، وتطوير شبكات التجارة في المنطقة، تمثل إصلاحات شديدة الإلحاح ينبغي أن تتبناها عاجلاً الحكومة المصرية والبرلمان الجديد المنتخب، خاصة في القطاعات كثيفة العمالة مثل الزراعة. ولقد أعلنت الحكومة التركية مؤخرًا عن نيتها ضخ أكثر من بليون دولار أمريكي خلال السنوات القليلة القادمة في مشروعات استثمارية بمصر، كما كشف وزير الصناعة والتجارة المصري مؤخرًا عن خطط لتدشين ممر بحري بين ميناءي الإسكندرية في مصر وميرسن على ساحل البحر المتوسط في تركيا. ويجب على الاستثمارات ذات الصلة بالموانئ، وغيرها من مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالتجارة، أن تتمشى مع الإصلاحات الاقتصادية الموصى بها من جانب صندوق النقد الدولي.

وكما رأينا خلال الشهور القليلة الماضية، هناك اهتمام عالمي بتوقيع قرض صندوق النقد الدولي، وبتطبيق الإصلاحات المطلوبة بشدة لمنظومة دعم الغذاء التي تتزايد عدم قابليتها للاستدامة. وقد عبر الاتحاد الأوربي، والاتحاد الأفريقي، والشركات متعددة الجنسيات في سائر أنحاء العالم، عن اهتمامها بالاستثمار في مصر، بيد أن معظم الاستثمارات الخارجية تتريث حتى توقيع الحكومة المصرية لقرض صندوق النقد الدولي. ومن خلال اضطلاع الحكومة المصرية بالإصلاحات البنيوية اللازمة لحل المشكلات الناجمة عن ضعف القطاع الخاص، والاستثمار في البنية التحتية وغيرها من القطاعات ذات الصلة بالتجارة، قد تصبح الحكومة قادرة على إصلاح منظومة دعم الغذاء، وأن تعيد وضع نفسها على الطريق السليم لتحقيق استدامة الموازنة في الأجل القصير، والنمو الاقتصادي في الأجل الطويل، دون خسارة تأييد الشعب المصري.

Hello World!

TOP