ريادية الاعمال في الشرق الأوسط: ليس فقط شركات تقنية

شارك

كتب: ناثان فيلد

هذه المدونة منقولة ومترجمة عن معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط:
Not Just Tech: Entrepreneurship in the Middle East

من المتعارف عليه في مجتمعات السياسات والإعلام في منطقة الشرق الأوسط أن تشجيع ونشر ثقافة ريادة الأعمال هو أمر هام واستراتيجي، فتوفير فرص عمل جديدة وتعدد أصحاب المصالح الاقتصادية يَعِد بإيجاد بيئة ديمقراطية صحية في العالم العربي على المدى الطويل. القصص والروايات التي تحكي عن تحول الشباب التونسي والمصري من الفقر والعوز إلى الثراء تُضعف حجة الدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات المتطرفة التي تستند جاذبيتها على فكرة عدم تمكن الشباب من تحقيق أغراضهم وعيش حياة ذات مغزى عن طريق الامتثال إلى الأعراف الاجتماعية. غير أن التركيز واسع الانتشار للشركات التقنية الناشئة باعتباره الدليل الأوحد لريادة الأعمال في المنطقة ينجم عنه نتائج باهتة وغير مؤثرة. فكل مؤتمر تقريباً تم عقده في واشنطن منذ عام 2011 قد هيمن عليه التقنيون المخضرمون أو مؤيدو "الابتكار وتغيير العالم". ومع كون هذا أمراً نبيلاً إلا أنه لا يُثمر عن مكاسب ملموسة من حيث توفير الوظائف الجديدة لمن لا يمتلكونها بالفعل في الشرق الأوسط.

ولإحداث أثر أكبر من وجهة نظر السياسات الأمريكية، فإن التركيز الرئيسي لسياسات ريادة الأعمال يجب أن يتمحور حول تشجيع وتأييد المشروعات الصغيرة والمتوسطة التقليدية، وليس المشروعات عالية التقنية بالضرورة. فبينما قد لا تغير تلك الشركات العالم، فإنه من الأرجح أن تساهم في توليد فرص جديدة لمن يحتاجونها بشدة في المنطقة.


حدود وقيود الشركات التقنية الناشئة في الشرق الأوسط

يتضح الانحياز للأدبيات التقنية السائدة في تقرير صدر مؤخراً عن المجلس الأطلنطي بعنوان "التعافي والتنشيط الاقتصادي"، والذي يترأسه اثنان من رواد الأعمال التقنيين، ويقوم بالتركيز حصرياً تقريباً على الشركات التقنية الناشئة:

من المهم توضيح المفردات والمصطلحات التي غالباً ما يتم استخدامها لمناقشة أثر ريادة الأعمال التقنية. فمصطلح "الشركات الناشئة" يشير إلى الشركات التي تبدأ من العدم وتستوجب مبالغ رأسمالية منخفضة وتُركز على التقنيات إما للحد من التكاليف أو للوصول إلى العملاء. على عكس ذلك، فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة هي شركات صغيرة – يقل عائدها إجمالاً عن 10 مليون دولار – تكون أبطأ نمواً بالمقارنة بالشركات الناشئة. تقوم الفئتان بالتأثير على اقتصاد المنطقة بشكلٍ ملحوظ، كما أن كلتاهما – وكذلك معظم المشروعات الكبيرة – يتوجب عليهما التغير سريعاً في هذا العصر الحديث. نحن نرى أن هذا التغيير يتضح جلياً من خلال التركيز على الشركات الناشئة.

توجد ثلاث مشكلات أساسية بتركيز حصري على الشركات التقنية الناشئة من منظور أهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

أولاً، إذا كان الهدف خلق فرص العمل، فإن الشركات التقنية الناشئة ليس من المرجح أن تحقق مثل تلك النتائج. وكما يشير التقرير الصادر عن المجلس الأطلنطي، فإن الشركات التقنية الناشئة "تُشدد على التقنيات" بهدف "الحد من التكاليف"، مما يعني جلياً استبدال العاملين بالأساليب والحلول التقنية. أما من منظور الأعمال، فإن ذلك يُترجم إلى تحقيق الشركة للمزيد من الربح وإلى إنتاج منتج أفضل. وباعتباري من رواد الأعمال، فما من مشكلة في ذلك، ولكن يجب ملاحظة أن الشركات التقنية الناشئة غير مُصممة للتركيز على محاولة خلق فرص عمل جديدة. فـ Flat 6 Labs، ولعلها من أشهر المؤسسات الحاضنة في منطقة الشرق الأوسط، تُعلن عبر موقعها الإلكتروني عن خلق "ما يزيد عن 400 وظيفة"، وبينما قد يُمثل ذلك خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أن العدد منخفض جداً بالمقارنة بحجم البطالة التي تعاني منها المنطقة.

ثانياً، فإن أي شخص بالمنطقة يمتلك مهارات البرمجة أو الإدارة المطلوبة في المجال التقني يُصنف بكونه على رأس السلم الاجتماعي-الاقتصادي أو التدرج الهرمي للكفاءات والمواهب. ومن ثمة، فعندما تُركز صناديق التمويل الخارجية على الشركات الناشئة التقنية، فإنها تقوم بترسيخ الحواجز والعقبات الاجتماعية-الاقتصادية التي تؤثر سلباً على السياسة والمجتمع العربي، بدلاً من تذليلها. لا يعني هذا أن تلك الشركات لا يُمكنها مساعدة الفئات العاملة، حيث يقوم بعضها بذلك بالفعل. فشركة "شغّلني"، وتُمثل منصة إلكترونية لوظائف العمال الحرفيين، تلقت مؤخراً تمويلاً من الملياردير المصري نجيب ساويرس. ويوضح مؤسس "شغّلني" عمر خليفة طبيعة المشكلة، إذ أن ما لفت نظر السيد/ ساويرس هو تركيز الشركة على مساعدة من لا ينتمون إلى النخبة الاقتصادية، وهو مكمن "المشكلة الحقيقية للبطالة" على حد تعبيره.

ثالثاً، يستند سرد المجلس الأطلسي على فرضيات تتعلق بالتقنية والتكاليف الاقتصادية التي قد تكون دقيقة في السياق الأمريكي، ولكنها قد لا تلائم الشرق الأوسط بالضرورة. فالكثير من مؤيدي الشركات التقنية الناشئة في الولايات المتحدة يغفلون المنظور الثقافي المهم. على سبيل المثال، فإن 24% فقط من المصريين و 34% من التونسيين هم مستخدمين منتظمين للإنترنت، بينما يستخدم 5% فقط و 13% فقط منهم على التوالي الهواتف الذكية. كما يشير التقرير أيضاً إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تحقق نمواً أبطأ – كما لو كانت شركة بعوائد تقل عن 10 مليون دولار سنوياً غير مهمة أو مؤثرة. في دول مثل مصر، فإن متوسط الراتب الشهري يُقدّر بنحو 560 دولار، بينما المتوسط هو 300 دولار تقريباً. وعليه، فإن المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تحقق عوائد تبلغ 1 مليون دولار سنوياً في سان فرانسيسكو قد لا تكون ملفتة للنظر، ولكنها في مصر تكون قادرة على توظيف 40 أو 50 شخصاً.


قيمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة الأقل تقنية

من وجهة نظر السياسة الأمريكية، فإن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تتيح نتائج ملموسة وضرورية في العالم العربي، نظراً لكون الطلب الاقتصادي والوظائف الملائمة لتلك المشروعات قائمة بالفعل في معظم الحالات. لا يحتاج رواد الأعمال الشرق أوسطيون بالضرورة لأن يكونوا "مبتكرين" أو أن "يُنشئوا شيئاً جديد" من أجل تحقيق النجاح. ففي المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، توجد وفرة من العمالة الماهرة والعمالة شبه الماهرة الجاهزة للعمل، وذلك على الرغم من تداخل قدرة تلك القوى العاملة على العمل مع أمور أخرى متعلقة بالهجرة وسياسات العمل والتغيرات الاجتماعية. وكما نوّهت منذ عدة سنوات، فإنه حتى في الدول غير النفطية مثل مصر، لا تواجه المشروعات الصغيرة والمتوسطة الجديدة شحاً في فرص العمالة اليدوية المتاحة. كما أن القطاعات غير الماهرة (مثل جمع القمامة) وشبه الماهرة (مثل الإنشاءات والصيانة) والأعمال التي تتطلب عمالة ماهرة (مثل التعليم) جميعها جاهزة للتوسع.

توضح ثلاثة مقالات صدرت حديثاً عن تونس ومصر تلك النقاط بوضوح، إحداها عن "النيويوركر" بقلم جورج باكر بعنوان "تصدير الجهاد" وتحاول تحري أسباب انضمام ما يربو عن 7000 تونسي لمقاتلي الدولة الإسلامية. ينحدر جميعهم تقريباً من القطاعات المتدهورة اقتصادياً في البلاد، التي لم تستفد من "ثورة الياسمين". وكما قال أحد التونسيين في هذاالصدد:

لا نشعر هنا بأي اهتمام توليه لنا الحكومات المتعاقبة التي أتت بعد الثورة، حيث أن المناطق الساحلية، التي يقطنها 20% من السُكان، لاتزال تحصل على نسبة 80% من الأموال، مما يُسبب الضغط النفسي والشعور بالوحدة. فلا يوجد أفق هنا، لا يوجد أمل.

أما المقال الثاني فيصف "كيف أصبحت خمس شركات تونسية ناشئة شركات تحقق أرباحاً" :

جميع القطاعات مُمثلة، مثل توصيل الوجبات من MonResto.tn والإعلام من خلال خبير سوق التداول ilBoursa والأجهزة المتصلة من خلال Chifco والخدمات ما بين الشركات عبر منصة Webradar والصفقات الإلكترونية من خلال Bigdeal.tn والإعلانات المبوبة من Tunisie-Annonce.com والسفر والسياحة من خلال Cyberesa وحجز التذاكر عبر Tiklik والألعاب الإلكترونية من Digital Mania.

وباعتباري رائد أعمال، فإنني أتمنى لتلك الشركات حظاً سعيداً. غير أن هذه الحكايات توضح أن نجاح أي شركة ناشئة للتقنيات لا يعني تلقائياً تحقيق مكاسب اجتماعية-اقتصادية لأغلبية الشعب التونسي. بل، لا يبدو كون أي من الشركات المذكورة مصدراً فاعلاً للتوظيف، بالإضافة إلى كون خدماتها الأساسية موجهة لقطاع اجتماعي-اقتصادي نخبوي. وعليه، فإنها توفر فرص عمل قليلة فقط للأفراد المذكورين في مقال "باكر".

على عكس ذلك، فمن المشروعات الصغيرة والمتوسطة الجديرة بالاهتمام، والتي ظهرت عبر Wamda، الشركة المصرية Tiba Solar والتي تم تأسيسها كشركة مُصنعة لألواح الطاقة الشمسية، و FilKhedma  (في الخدمة) الذي يربط ما بين التجار والفنيين في القاهرة وبين الأشخاص الذين يحتاجون إلى إجراء إصلاحات في منازلهم. تقدم هاتان الشركتان فرص عمل لأبناء الطبقة العاملة من المصريين ويُمثلان الهدف الذي ينبغي أن تستند عليه سياسات ريادة الأعمال.

وسواء كانت الشركات تُصنف بكونها من المشروعات الصغيرة والمتوسطة أو شركات تقنية ناشئة، فإنها تواجه مجموعة كبيرة من العقبات والعراقيل، وذلك بسبب المناخ البيروقراطي والمشكلات القانونية وغيرها من التحديات المزمنة المترسخة بالمنطقة. تتمكن شركات التقنية الناشئة في معظم الأحيان من تجاوز القوانين والعقبات الأكثر صعوبة، ولكن الحكومات المحلية والمانحين الخارجيين والمستثمرين لابد من أن يُبدوا استعدادهم لدعم الشركات التقليدية الساعية إلى النمو والتوسع في العالم العربي. وبينما قد لا تتراكم للمستثمرين الأرباح الضخمة المتوقعة من خلال تلك الشركات، إلا أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تتمتع بموضع أفضل لتحقيق الازدهار والأمان للغالبية العظمى من الناس.

 ** ناثان فيلد مؤسس شركة صناعة العرب في الشرق الأوسط وعمل كمستشار للحكومة السعودية في تطوير الموارد البشرية في قطاع البيئة

Hello World!

TOP