حان وقت الإصلاح

شارك

كتب: طارق توفيق
وكيل اتحاد الصناعات المصرية عن القطاع الخاص

ورئيس مجلس ادارة غرفة الصناعات الغذائية السابق
ورئيس مجلس ادارة شركة القاهرة للدواجن

تمر مصر بمرحلة عصيبة وهي نتاج تراكم اكثر من اربعين عاما من المشاكل الاقتصادية التي لم يتم مواجهتها او معالجة اسبابها بشكل جذري وحاسم، مع العلم أن مصر لديها الامكانات التي تؤهلها أن تكون من أكبر اقتصاديات العالم كما اشارت تقارير مؤسسات مالية دولية مثل تقرير سيتي بنك عام ٢٠١٠م.

وتأتي صعوبة المرحلة من منطلق أنه ليس هناك بديلاً عن روشتة إصلاحات اقتصادية متكاملة سنتحمل ثمنها جميعاً أغنياء وفقراء وطبقة وسطي على المدى القريب. ولكن مع حسن إدارة ملف الإصلاح ستأتي الإصلاحات بثمارها على المدى المتوسط والبعيد.

والسؤال الأهم هل لدينا حل أخر غير المضي في إتفاق صندوق النقد الدولي؟ الإجابة بكل تأكيد لا.

فهناك ثمة تحديات تواجهنا الأن لا نستطيع أن نستبشر بمستقبل افضل إلا اذا إعترفنا بها وتكاتفنا من أجل مواجهتها. فنحن في وضع إقتصادي حرج، وإن كنا لا نشعر بذلك، فالإحتياطي النقدي بالسالب لأنه عبارة عن ودائع دول أخرى - ليس إلا- أضف إلى ذلك الوضع السياسي الذي لا يمكن فصل تداعياته على الإقتصاد. فقد مرت البلد بزلزالين سياسيين  في 2011 ،2013 أثروا بكل تأكيد على إستدامة عمليات الإصلاح الإقتصادي وعلى الحالة الأمنية، وأدت إلى تفكك الإطار الذي يدير الدولة - وإن كان هناك بعض المؤسسات الراسخة التي أدت الي عدم سقوط الدولة.

إلا أن منظومة الفساد لازالت قوية ومتماسكة وتصبح اكثر عدوانا إذا اقترب منها الإصلاح بالأخص فيما  يتعلق بالدعم السلعي.  فمحاولات إصلاح الدعم تم مواجهتها بشراسة من قبل المستفيدين من الفساد كونهم المستفيدين الرئيسيين من العوار الحالي في منظومة الدعم السلعي – وهي فئة تمثل آلاف الموظفين والمستفيدين منهم. إن التحديات التي تواجهها الدولة كثيرة.  فبالإضافة إلى السابق ذكره، هناك عدة عوائق منها ما يلي:

- إنتشار ظاهرة القطاع غير الرسمي الذي يجعل شريحة كبيرة من الاقتصاد خارج منظومة الضرائب والبنوك فلا يستفيد منه الاقتصاد بزيادة معدلات النمو والايرادات العامة  ولا يستفيد هو من حزمة الحوافز التي تقدمها الدولة للمستثمرين مثل دعم الصادرات أو مبادرة البنك المركزي بتوفير 200 مليار جنيه لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة بفائدة 5% فقط، والتدريب الصناعي وتحديث الصناعة... وخلافه.

- إنتشار الممارسات الاحتكارية في العديد من المجالات الصناعية والتجارية وكذلك إستحالة الرقابة على صلاحية وجودة المنتجات في ظل عشوائية منظومة البيع والتوزيع والعرض.

- التعقديات البيروقراطية فيما يتعلق بالدخول في السوق: مثل التسجيل والترخيص والتصاريح، وسلسلة من الإجراءات التي قد تستغرق ٣ سنوات بالإضافة إلى صعوبة وربما إستحالة الخروج من السوق.

- خلق نظم موازية بدلا من الإصلاح الهيكلي - فعلي سبيل المثال قامت الدولة في أوقات سابقة بتسهيل الإجراءات في بعض المدن الصناعية والمناطق الحرة، وبذلك خلقت نظاما موازيا لتسهيل الأمور، ولكن خلق نظم موازية يكون حلاً مؤقتا حتي يتم إصلاح المنظومة الأساسية التي تسري علي غالبية أصحاب المشروعات - خاصة الصغيرة والمتوسطة - وأعتقد أن مصر قادرة علي إصلاح المنظومة الأساسية في زمن قصير.

- عدم إستغلال حوالي 95% من أراضي الدولة وتخصيصها في مجالات - الزراعة والصناعة والطاقة والسياحة والتجارة - بسبب الخوف والسياسات الشعوبية وإرث التجربة السيئة مع الإقطاع قبل 1952-  وهي تمثل رصيد هائل من الفرص الغير مستغلة للنهوض بمصر إقتصاديا وتنموياً.

- عدم ترشيد الإستهلاك نتيجة لإنخفاض سعر الإستهلاك عن السعر الحقيقي - مثل الوضع بالنسبة للطاقة والمياه، والعديد من الخدمات والسلع الإستهلاكية.

- سوء السياسة النقدية (هناك أكثر من سعر للعملة) يرهب أي مستثمر أجنبي من المجازفة والإستثمار في مصر ولا سبيل للحديث عن أي اجراءات للإصلاح الإقتصادي قبل إصلاح السياسة النقدية بشأن سعر الصرف وإقتراب سعر الصرف المعلن من سعر الصرف في السوق الموازي.

- إنتشار التعاملات النقدية في السوق المصري من خلال التعامل النقدي في جميع القطاعات وعلي جميع المستويات.

وبرغم سوء الوضع الإقتصادي الحالي - فإننا لا يمكن أن ننكر أن هناك مبادرات ناجحة قامت بها الحكومة خلال الثلاثة أعوام الماضية – مثل: الإصلاحات التي تم الدفع بها في ملف الدعم أو المشروعات القومية المتعلقة بالبنية التحتية والطرق والكهرباء وإكتشافات الغاز والبترول. ولكن لا أعتقد أن تلك الإصلاحات المتناثرة ستحقق الهدف المرجو منها، إلا إذا وضعت في إطار برنامج إصلاحي متكامل. وأعني بإصلاح متكامل أنه يتضمن خطة واضحة مفصلة يتم وضعها بالمشاركة مع جميع الأطراف المعنية وتتبناها الحكومة من خلال تقديم الحوافز والتشريعات وليس بالمشاركة في التنفيذ أو عملية الإنتاج. فأدوات الحكومة كثيرة منها ضبط السياسات النقدية، وتسهيل عملية التمويل، والرقابة، ومنع الاحتكار، وتقديم الحوافز المختلفة، والترويج للاستثمار وإنفاذ القانون وهكذا. فالإصلاح الاقتصادي متعدد الأوجه وتتوزع أدواره بين الحكومة والقطاع الخاص والقطاع الأهلي.

ما يعطيني بارقة الأمل فيما يتعلق باتفاق صندوق النقد الدولي أنه اصبح لدينا برنامج اقتصادي متكامل وليس مجرد مبادرات لا تصب في نفس المصب. فمن ضمن شروط صندوق النقد الدولي وجود برنامج متكامل تعده  الحكومة المصرية ويوافق عليه الصندوق ويتابع تنفيذه مع القائمين عليه بالدولة. فالأن نستطيع ان نقول ان لدينا خطة شاملة لمواجهة التحديات السابق ذكرها وتشجيع الاستثمار الاجنبي الذي يعتبر طوق النجاة للاقتصاد المصري.

وفي هذا الصدد، هناك عدة ملاحظات يجب مراعاتها إذا أردنا تعظيم الإستفادة من إتفاق صندوق النقد الدولي أولها وأهمها تحسين السياسة النقدية ولكن هناك نقاط اخرى على النحو التالي:

- عماد أي إقتصاد هو المشروعات الصغيرة والمتوسطة فلا يجب ان تقتصر الإصلاحات على تلبية رغبات كبار اصحاب الأعمال لأن عددهم قليل مقارنة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل حوالي 95% من عدد المنشآت في مصر. كما  يجب ان نعمل على جذب اصحاب المشروعات المتوسطة الاجنبية وليس الكبيرة فقط.

- تحسين منظومة التجارة الداخلية ضرورة قصوى لأنها تتقاطع مع جميع مراحل الانتاج والتجارة وتداول الأموال في السوق المصري. وتطوير التجارة الداخلية ايضا يسهل عملية رقابة الدولة على الاسواق.

- يجب الإهتمام بحماية المنافسة ومنع الاحتكار اذا أردنا ان تتسع قاعدة الاقتصاد في مصر. ولن يحدث ذلك إلا بتسهيل اجراءات المشاركة في السوق من خلال القضاء على التعقيدات البيروقراطية.

- مرة اخرى تسهيل اجراءات الدخول الي السوق والخروج منه هو المفتاح الأساسي لاشراك الاقتصاد غير الرسمي في عملية النمو والتنمية.

- هناك حزمة من التشريعات يجب إقرارها - بعد أن وافق مجلس الوزراء عليها - من خلال البرلمان مثل قانون التنمية الصناعية، وقانون الاستيراد والتصدير، وقانون التراخيص الصناعية، وقانون شركات الشخص الواحد، ثم التعجيل بمشروعات الإستثمار والإفلاس. علماً بأن النهوض بالصناعة لا يعني سياسة تصنيعية فقط بل تطوير الصناعة مرتبط بالتجارة والتصدير وسلسلة متكاملة.

- لا يمكن تثبيت الاسعار أو مراقبة الأسعار ولكن يجب الدفع نحو إستقرار المناخ الإقتصادي لضمان التفاعل بين العرض والطلب. لا يمكن ان نقع في فخ التحكم في التجارة. فحرية السوق هي الأداة الحقيقية لنمو وتنمية الاقتصاد وضبط الاسعار يتم من خلال جمعيات لحماية المستهلك كما هو الحال في الدول المتقدمة.

- لا توجد مشكلة في العمالة في مصر- فالعامل المصري عامل ماهر بل المشكلة في الإدارة الجيدة. فطالما هناك منظومة إدارية سليمة تعطي العمال حقوقهم وتفرض عليهم واجباتهم - نجد إلتزام من العامل وإنتماء للمؤسسة التي يعمل بها. وهنا نجد تحسن ملحوظ في إنتاجية العامل.

 - الحد من التعاملات النقدية الكاش في السوق للتعرف علي الحجم الحقيقي للاقتصاد المصري، والحد من ظاهرة التهرب الضريبي ومحاربة الفساد ومحاربة الإرهاب بالتعرف بقدر الإمكان علي منابع تمويله.

 - يجب دعم صناع القرار من خلال تغيير مادة المال العام في قانون العقوبات بما يضمن عدم الفساد وفي نفس الوقت يطمئن صانع القرار.

 - إجراء إصلاح في الهياكل المؤسسية بدلا من الإصلاحات السطحية المعتمدة علي خلق نظم موازية لتسهيل الأمور.

 - ترشيد الدعم وإعطاءه لمستحقيه - فلا تقوم الدولة بدعم السلعة ولكن بدعم المستهلك المستحق للدعم وهو ما بدأت فيه الحكومة ويجب أن تستمر فيه.

 - الخصخصة – أو على الأقل فصل ملكية الدولة عن الإدارة - الجدير بالذكر أن الخصخصة في بعض الدول مثل الصين هي في الأصل أداة تنموية تستغل في تمويل الإرتقاء بالمجتمع المدني.

 في النهاية يجب علينا أن نعي أنه لابد من إتخاذ خطوات الإصلاح الاقتصادي التي نص عليها إتفاق الصندوق، برغم أنها أحيانا تبدو قاسية، فالخيار الآخر هو الإستمرار في التكاسل وتردي الأوضاع يوماً بعد يوم، إلى حد قد يصل بنا إلى الفوضي الكاملة.

Hello World!

TOP