تيسير ممارسة الأعمال في العراق

شارك

كتبت: مورا أُبريان علي
مسئولة برامج، مركز المشروعات الدولية الخاصة

 يعد العراق من الأماكن التي تصعب ممارسة الأعمال فيها، بل وتتزايد تلك الصعوبة، وفق تقرير "سهولة ممارسة الأعمال (Ease of Doing Business)" الذي أصدره البنك الدولي. فالعراق يحتل هذا العام، المرتبة 164 من بين 183 دولة من حيث سهولة ممارسة الأعمال، متراجعًا 5 مراكز عن العام السابق. ويستغرق تسجيل شركة في العراق -على الورق- 77 يومًا في المتوسط، ويتكلف آلاف الدولارات.

في بلدٍ ذكر فيه أصحاب الأعمال –في استطلاع أجراه مركز المشروعات الدولية الخاصة مؤخرًا- أن الفساد مصدر قلقهم الأول، وأن عدم الاتساق في تطبيق اللوائح والقوانين ضمن مصادر القلق الثلاثة الأولى، لا تبدو تلك الأيام الـ77 وآلاف الدولارات سوى "سيناريو الحالة المُثلى"، وذلك أن فرص تعطيل الأوراق على أيدي الموظفين طلبًا للرشوة، في كل خطوة من الخطوات الإحدى عشرة للتسجيل كثيرة ومتعددة، وفرصة لجوء صاحب العمل للسلطات المعنية شبه منعدمة.

وحتى نوضح تلك النقطة، دعونا ننظر في خطوة التسجيل الضريبي للأعمال. فبموجب هذا الإجراء يتعين على صاحب العمل التقدم إلى مصلحة الضرائب ودفع ما يوازي 380 دولارًا (مع العلم بأن نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي في العراق يبلغ نحو 3,900 دولار في السنة)، لمجرد الحصول على شهادة بأنه منتظم في سداد التزاماته الضريبية. تلك عملية شديدة الصعوبة والكلفة في بلدٍ لا يزال يعتمد بشدة على المعاملات الورقية، فضلاً عما توفره من بيئة خصبة لمنعدمي الضمائر من الموظفين للتحجج بعدم استيفاء الإجراءات، وهو أمر لا يمكن التحقق منه بشكل واقعي. وإذا قارنا تلك الأرقام بالناتج القومي الإجمالي في الولايات المتحدة، كان الأمر أشبه بأن يدفع أمريكي لمصلحة الضرائب نحو 4,687 دولارًا لمراجعة موقفه الضريبي، مع علمه بأن من سيراجعها -أيًّا كان- سيطلب منه في الأغلب، رشوة حتى لا يثبت أن عليه متأخرات ضريبية. وهو ما يفسر قول 44% فقط من أصحاب الأعمال العراقيين -في الاستطلاع نفسه- إن أعمالهم قد تم تسجيلها بالفعل.

إن اللوائح المتعلقة ببدء الأعمال في العراق شديدة التقييد، إلى درجة تعيق الكثير من الشركات من التحول إلى نشاط رسمي، ومن ثم التمتع بالحماية القانونية، مما يسد أمامها سُبل النمو. فهي غير قادرة على الحصول على قروض، أو شراء أملاك، أو ممارسة أية وظائف عادية أخرى تمارسها الأعمال. كل ذلك يؤدي إلى عدم قدرة تلك الشركات على الاستثمار في النمو المستقبلي، وبقائها وموظفيها في نطاق اقتصاد الظل، على قلة حيلته وعدم تمتعه بالحماية.

وبرغم أن المشكلة تبدو مستعصية، فقد يكون الحل في متناولنا قريبًا، فمركز المشروعات الدولية الخاصة يعمل مع منظمة عراقية محلية -تجمع العراق 2020- وممثلين آخرين للقطاع الخاص لحصر المشاكل المتعلقة ببدء الأعمال، وذلك عن طريق تحليل القانون الحالي لتسجيل الشركات، وهو القانون الخاص بالشروط القانونية لبدء الأعمال. هذا النوع من حشد التأييد يمكن أن يكون حاسمًا، كما هي حاله في أي نظام ديمقراطي، إذ سيكون عاملاً رئيسيًّا في ضمان حماية القانون للمصالح العراقية بشكل عام، مع عدم خنقه للنمو الاقتصادي دون داعٍ. وسوف يفضي تحديث هذا القانون وتقليص الأعباء المفروضة على ممارسة الأعمال، إلى فوائد جمة للاقتصاد العراقي وللعاملين في الظل في العراق.

وضع مركز المشروعات الدولية الخاصة، وتجمع العراق 2020، بمشاركة مجتمع الأعمال العراقي، بما فيه اتحاد الغرف التجارية العراقية، مجموعة من التوصيات لمعالجة تلك المشاكل وطرح مجموعة من الحلول الملموسة لكيفية تحسين العملية، من قبيل تيسير الإجراءات الحكومية لتقليل الوقت وعدد الخطوات اللازمة للتسجيل، ونقل تنفيذ العديد من الإجراءات إلى الإنترنت لتقليص فرص الفساد.

وقد حظي هذا النشاط باهتمام كبير، كان من آياته دعوة من البرلمان العراقي لطرح التوصيات أثناء عمل الحكومة على وضع مسودة القانون الجديد. وبرغم أن المشاكل قد تبدو غير قابلة للحل، فإن جهود البرلمان العراقي الإيجابية لإشراك القطاع الخاص في النقاش تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، إذ تساعد على التوصل إلى الحلول الواقعية لتحفيز النمو وتعزيز الديمقراطية في العراق.

Hello World!

TOP