التقدم إلى الأمام في اليمن

شارك

كتب: عبد الوهاب الكبسي
المدير الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مركز المشروعات الدولية الخاصة

في 2 أكتوبر 2013

 هذه المدونة مترجمة عن الأصل باللغة الإنجليزية: The Road Ahead in Yemen

كان من المتوقع أن يصل الطريق الوعر للديمقراطية في اليمن إلى منعطف حرج يوم 18 سبتمبر الماضي، فقد كان اليوم المحدد لانتهاء مؤتمر الحوار الوطني اليمني، الذي استمر لستة شهور، واشترك فيه 565 مندوبًا يمثلون الأجنحة المتصارعة والجماعات المهمشة. غير أن وزير الخارجية أبو بكر القربي أعلن مؤخرًا أن مفاوضات المصالحة الوطنية يمكن أن تُمد "شهرًا أو اثنين أو ثلاثة" بسبب المسائل السياسية العالقة.

وإذا كانت المذبحة الدموية التي شهدها مركز وست جيت التجاري بكينيا تشير إلى الآثار المدمرة لفشل الدولة في الصومال المجاورة، فإن إمكانية فشل الدولة اليمنية سيكون لها آثار كارثية مرعبة. فمع احتمال الصعود المجدد لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، باعتباره أخطر فروع هذه الشبكة الإرهابية العالمية، يصبح مستقبل اليمن مرتهنًا بقدرة المندوبين في مؤتمر الحوار الوطني على التوصل إلى تسوية بشأن انقساماتهم السياسية العميقة، وإنهاء زمن انعدام الثقة المتبادلة.

بيد أن هناك انفصالاً متزايدًا بين المحادثات السياسية التي تجري داخل فندق موفنبيك الفاخر، والحقائق الاجتماعية الاقتصادية على الأرض. ففي العاصمة صنعاء، تُذكرنا الشوارع ذات "الأسفلت" المُكَسَّر -يوميًّا- بأن الانتقال اليمني ما زال أمامه طريق طويل. ففي شهر أغسطس اجتاحت العاصمة أمطار غزيرة، وقتلت العشرات في مختلف المحافظات. وعلى الرغم من تخصيص حوالي 4.7 مليون دولار لإصلاح طرق العاصمة، فإن غياب شبكات الصرف الصحي الملائمة حوّل مياه الأمطار إلى سيول أغرقت الشوارع التي تم تكسير "أسفلتها" من قِبل المقاولين الذين يقومون بأعمال الحفر في الطرق، من أجل إدخال مواسير المياه وأسلاك التليفون، وتُركت الشوارع في حالة يرثى لها. ولسوء الحظ، ما زالت أعمال الحفر في الطرقات مستمرة لا تتوقف.

وقد قام بعض مندوبي مؤتمر الحوار الوطني بإثارة مظالم تاريخية، وذكّروا بماضي اليمن المضطرب، ففي 14 أغسطس قام مندوبو الحراك الجنوبي (المعروف بالحراك) بمقاطعة المؤتمر لعدة أسابيع قبل الموعد المقرر لانتهاء فعالياته في سبتمبر. فمنذ الحرب الأهلية عام 1994 استمر بعض القادة الجنوبيين في الدعوة للانفصال عن الجمهورية اليمنية، وفي الشمال أيضًا يطالب المتمردون الحوثيون -الذين خاضوا قتالاً لمدة ست سنوات ضد الرئيس علي عبد الله صالح- بالاستقلال الذاتي لإقليمهم. وبرغم إصدار الحكومة الحالية اعتذارًا رسميًّا في 21 أغسطس عن الصدامات التي حدثت في الماضي، ودعوتها للمندوبين المقاطعين بالعودة للمؤتمر، لا تزال مسألة النزاعات الإقليمية باقية دون حل.

لقد أُعطي اهتمام كبير جدًّا للسياسة، بينما لم يُبذل جهد كافٍ لإصلاح حال الاقتصاد المتدهور. ومع اختتام أعمال مؤتمر الحوار الوطني في أكتوبر، ينبغي على الحكومة الانتقالية أن تضع على جدول أعمالها -قبل الحوار السياسي المتواصل- ثلاث مسائل اقتصادية ملحة، مثل: البطالة بين الشباب، وندرة الموارد، وهروب رأس المال. فأولاً، كان الإقصاء الاقتصادي للشباب أحد الأسباب الرئيسية للاحتجاجات الجماهيرية عام 2011، فبينما شهد جيل الألفية استشراء الفساد وسط النخب السياسية، واجهته -في الوقت نفسه- صورة قاتمة حول فرص العمل المتاحة، وارتفاع معدلات الفقر في المناطق الريفية. أضف إلى ذلك، إهمال قضية سوء منظومة التعليم العام، فالمناهج الدراسية يجب إعادة النظر بشأنها بحيث تقوم على تدريب شباب الخريجين على التفكير النقدي، وإعدادهم لشغل الوظائف في القطاع الخاص، أو بداية مشروعات جديدة قابلة للاستمرار. ومع بلوغ معدل بطالة الشباب اليمني نسبة 40%، فإن على الحكومة إعطاء أولوية قصوى لمسألة توفير الفرص الاقتصادية لشباب الخريجين.

وثانيًا، تظهر تقديرات برنامج الغذاء العالمي أن 46% من سكان اليمن لا يحصلون على ما يكفي من الطعام. ومن المتوقع أن تصبح صنعاء عام 2025 أول مدينة على مستوى العالم تعاني من الجفاف، بينما نصف السكان لا يحصلون فعليًّا على مياه الشرب النقية. وإذا لم تعالج الحكومة الأزمة الغذائية الآن، وتتمكن من إدارة مواردها على نحو أكثر كفاءة، فإن الأزمة الإنسانية لن تضرب اليمن وحده، وإنما ستؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة كلها، بنزوح طوفان من اللاجئين إلى البلدان المجاورة. وقد وعد المجتمع الدولي بالفعل خلال العامين الماضيين، بتقديم المساعدات التي تشتد حاجة اليمن إليها، حيث تعهد المانحون بتقديم 8 مليارات دولار للتمويل والمساعدات الإنمائية. وعلى الرغم من أن المبالغ التي تم تسليمها حتى الآن بلغت فقط 1,8 مليار دولار، فإن على الشركاء الدوليين الاستمرار في إظهار التزامهم تجاه الانتقال الديمقراطي في اليمن، ومساعدة الحكومة في جهود إعادة البناء الاقتصادي.

أخيرًا، يمكن للحكومة الانتقالية أن تعكس اتجاه هروب رؤوس الأموال من اليمن، وتنجح في اجتذاب استثمارات مباشرة جديدة، عن طريق تحسين بيئة الأعمال. ومن أجل تعزيز الثقة لدى المستثمرين، يمكن لليمن أن يبسَّط قوانين الأعمال، ويوفر فرصًا أكبر لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل أكثر من 97% من الشركات اليمنية. في عام 2011، بلغ هروب رؤوس الأموال من اليمن 712 مليون دولار فقدها الاقتصاد اليمني، فإذا استطاعت الحكومة تطوير البنية التحتية للاقتصاد اليمني، والتصدي لإصلاح الدعم، وخفض الوظائف في القطاع العام، سيكون بإمكانها حفز الاستثمار المحلي والأجنبي بما يعزز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

إن اتخاذ خطوات ملموسة لمعالجة هذه القضايا، سيؤدي إلى تحسين مستويات معيشة المواطن العادي، وتهيئة الفرص لدعم الوحدة الوطنية، فقد أدى التكامل الاقتصادي بين النظراء والخصوم في الماضي إلى تحقيق المصالحة السياسية. لقد صُممت الجماعة الاقتصادية الأوربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية -التي سبقت تكوين الاتحاد الأوربي- لمنع اندلاع صراعات مستقبلية، عن طريق خلق سوق مشتركة بين خصوم الماضي. كما يمكن أن تمثل دولة الإمارات العربية المتحدة -كاتحاد يجمع سبع إمارات- نموذجًا للوحدة السياسية تحت مظلة التعاون الاقتصادي، فمنذ تدشين هذا الاتحاد عام 1971 تجاوزت الإمارات الخلافات السياسية الداخلية، وركزت على التنمية الاقتصادية، واستطاعت جذب كميات هائلة من رؤوس الأموال الأجنبية.

لقد عادت إلى الظهور الانقسامات السياسية العميقة في اليمن بعد الاحتجاجات الجماهيرية الضخمة بقيادة الشباب عام 2011، والتي هددت حكم صالح الذي استمر لثلاثة عقود. فالأجنحة المتصارعة، التي كانت منضوية معًا في إطار المنظومة الكبيرة للمحسوبية التي أنشأها صالح، أخذت تعد نفسها لاحتمال نشوب حرب أهلية شاملة، حتى تدخل المجتمع الدولي. فبحلول نوفمبر 2011 نجحت الصفقة التي رعاها مجلس التعاون الخليجي في نقل السلطة سلميًّا من صالح إلى نائبه، عبد ربه منصور هادي، ووضعت إطارًا لمؤتمر الحوار الوطني. وقد اتفق غالبية المشاركين على مبدأ الفيدرالية، ولكن -حسبما أخبرني مؤخرًا أحد المندوبين- فإن خطة إقامة اتحاد فيدرالي بين دولتي الشمال والجنوب على أساس حدود ما قبل التوحيد "ستؤدي حتما إلى الحرب". وهناك مقترحات أخرى محل بحث من جانب اللجنة المكونة من 16 عضوًا، من بينها: إمكانية قيام نظام فيدرالي متعدد الأقاليم يحقق التكامل بين الشمال والجنوب.

وفي حين أنه من المهم الاعتراف بالماضي السياسي، ومعالجة مسألة المظالم التاريخية، فإن التطلع إلى المستقبل وحل المشكلات الاقتصادية الملحة، سيكون أكثر إيجابية بالنسبة لصناع السياسات. وقد أبلغني أحد أصدقائي مؤخرًا عن مثل إغريقي قديم يقول: "عندما تسبح في نفق مظلم ستصل لنقطة يستحيل معها العودة". والخيار الأفضل هو السباحة إلى الأمام نحو المجهول، وأن تدعو الله كي تجد مخرجًا. ومن واجب جميع الشركاء اليمنيين أن يكونوا على مستوى المسئولية؛ لأن بلدهم يحتاج إلى طرق، ووظائف، واستثمارات، وغذاء ومياه. يجب على مندوبي مؤتمر الحوار الـ565 أن يحبسوا أنفاسهم، ويتحركوا باليمن صوب المستقبل. قد يكون الطريق إلى الديمقراطية وعرًا في اليمن، ولكن من المؤكد أنه الطريق الذي يستحق أن نسلكه، شرط ألا تكون هناك عودة إلى الوراء.

Hello World!

TOP