إدماج الأنشطة غير الرسمية في الاقتصاد الرسمي

شارك

كتب: أليكسندر شكولنيكوف

 نشرت دورية (Marketplace Morning Report)، في عددها الصادر يوم 6 ديسمبر الجاري، حوارًا أجراه جيريمى هوبسون (Jeremy Hobson)، مع روبرت نوويرث (Robert Neuwirth) -وهو صحفي ومدون- ناقشا خلاله أحدث كتب نوويرث المنشور تحت عنوان: "سرقة الأمم" (Stealth of Nations). هذا الكتاب الذي يلقي فيه نوويرث الضوء على قضية رئيسة -غالبًا ما يتم إغفالها في غمار المناقشات الدائرة حول أوضاع الاقتصاد العالمي- وهى قضية قطاع النشاط الاقتصادي غير الرسمي.

يقدم نوويرث في كتابه عرضًا متميزًا يتناول خلاله العالم المتشابك للأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، التي تضم عشرات الملايين من التجار، وبائعي التجزئة، وأصحاب المشروعات الصغيرة، وصغار الصناع، الذين يمارسون نشاطهم الاقتصادي جميعًا في غالبية الدول النامية.

إلا أن نوويرث –مثله مثل كثيرين غيره– عادة ما لا يحيط بالصورة كاملة في سياق عرضه لتطور أوضاع القطاع غير الرسمي. ففي حين يتعين التنويه بمدى انتشار هذا القطاع، إلا أنه يجب أيضًا التأكيد على أن هذا القطاع لا يمثل المسار المناسب للنمو الاقتصادي الشامل والمستدام.

فوفقًا لبعض الدراسات، تبلغ نسبة الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية نحو 60% من الناتج المحلى الإجمالي لبعض الدول، الأمر الذي يفصح عن مشكلة حقيقية لاقتصاد العصر الحديث الذي تسوده اتجاهات العولمة.

وفى سياق مرتبط، قام الاقتصادي المعروف هيرناندو دو سوتو (بيرو) باستعراض المخاطر وأوجه القصور التي تتصف بها الأنشطة غير الرسمية في دول متعددة، من بينها بيرو، وتنزانيا، ومصر.

إذ يشير إلى أن القائمين بالأنشطة الاقتصادية غير الرسمية يفتقدون الروابط مع المؤسسات الاقتصادية الرسمية ومن ثم، لا تتوافر لديهم إمكانات اللجوء إلى الجهات المعنية حينما تنتهك حقوقهم، فضلاً عن أنهم يفتقرون إلى الإمكانات اللازمة لتوسيع نطاق أنشطتهم، على نحو يمكن أن يؤدي إلى خلق فرص عمل لمواطنيهم. وهم في معظم الأحوال مستغرقون فيما يسمى بـ"أنشطة الكفاف"، مع ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على التنمية والنمو الاقتصاديين في بلدانهم.

وتبدو الصورة الحقيقية لقطاع النشاط غير الرسمي خلال قصة طارق محمد بوعزيزى، وهو بائع الخضر التونسي الشاب الذي أوقد -بإشعال النار في نفسه- شعلة انتفاضات الربيع العربي. وتحل هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لقيام بوعزيزى بسكب سائل مخفف للدهان على جسده، وإشعال عود ثقاب لإضرام النار فيه، مدفوعًا بالإحباط واليأس الناجمين عما كان يلاقيه من عقبات في سبيل العيش الذي لم يكن يتجاوز مستوى الكفاف. فهذه الواقعة هي –بحق- تذكرة بما يعانيه أصحاب الأعمال الصغيرة في كثير من أرجاء العالم من حالات يأس وظروف تشوبها الضبابية من كل جانب.

أما الأسباب الكامنة وراء معاناة الكثيرين بالقطاعات غير الرسمية، وإحجامهم عن الانخراط في الاقتصاد الرسمي، فتتمثل –وفقًا لما يشير إليه دو سوتو- في المعوقات البيروقراطية، وسوء أوضاع الحوكمة. وبهذا الشأن، تتضمن قاعدة بيانات تقرير ممارسة الأعمال (Doing Business)، الذي يصدر سنويًّا عن البنك الدولي، قوائم بكثير من المعوقات التي تحول دون الانخراط في الأنشطة الاقتصادية الرسمية.

وارتباطًا بهذا، فإن تركيز نوويرث على محاولة إلغاء الأحكام والإجراءات المنطوية على تجريم ممارسات المنخرطين بالقطاعات غير الرسمية، أمر جدير بالتنويه والثناء. فأغلب الأمر، أن أية جهود تستهدف محاربة أنشطة التجارة غير الرسمية لإبعادها عن التواجد في الطرقات العامة، لن يُكتب لها النجاح.

ولهذا، فبدلاً عن السعي "لاحتواء" القطاع غير الرسمي، ينبغي أن توجه الجهود نحو التركيز على تحسين المناخ الذي تمارس خلاله أنشطة الأعمال، جنبًا إلى جنب مع خلق الحوافز التي تشجع على الانخراط في الاقتصاد الرسمي. فمن شأن طبيعة وهياكل إجراءات التسجيل، والنظم الضريبية، وحقوق الملكية الفكرية، وإصلاحات نظم منح التراخيص، وغيرها من اللوائح والإجراءات، من شأن كل هذا مساعدة أصحاب الأعمال بالقطاع غير الرسمي على التحول إلى شركات صغيرة تتوافر لها القدرة على النمو، والابتكار، وخلق الوظائف، وتحسين الإنتاجية، والاستفادة من مزايا وفورات الحجم في مجالات نشاطها.

وبإيجاز، فبينما يركز نوويرث -ومعه وسائل الإعلام الأمريكية- على أهمية الأدوار التي يلعبها أصحاب الأعمال غير الرسمية داخل اقتصاداتهم الوطنية، فإن هذه الحقيقة لا تمثل سوى نصف الصورة. أما النصف الآخر، فيتمثل في التركيز على أهمية الجهود والخطوات الرامية إلى الحد من انتشار ظاهرة القطاعات غير الرسمية في الاقتصادات المختلفة.

Hello World!

TOP