آهِ لو كنا شاركنا بنشاط أكبر في التحول الذي شهدته رومانيا بعد الثورة!

شارك

كتبت: كارمن ستانيلا
نائب مديرة برامج، مركز المشروعات الدولية الخاصة، رومانيا

عندما اندلعت الثورة الرومانية كنت في بدايات العقد الثاني من عمري، أعيش مع أسرتي في بلدة صغيرة هادئة في منطقة جبلية بالمنطقة الوسطى من البلاد.

لم أكن أدري عن الحياة اليومية في رومانيا آنذاك إلا أقل القليل. كنت قد مررت بتجربة الوقوف في طوابير طويلة مع أمي للحصول على الاحتياجات الغذائية الأساسية مثل الخبز أو الزبد. كانت إمدادات الغذاء محدودة، وكان لكل فرد في بلدتي حصة من الخبز لا يستطيع شراء أكثر منها، وهي نصف رغيف في اليوم. ومن ذكرياتي عن تلك الأيام أني كنت أؤدي واجباتي المدرسي في المساء على ضوء مصباح نفطي؛ حيث كان نقص الكهرباء يؤدي إلى انقطاع متكرر للتيار. وأذكر أيضًا مشاهدة برامج التليفزيون مع أسرتي في المساء، كان لدينا آنذاك محطة عامة واحدة تبث إرسالها لمدة ساعتين يوميًّا، من الثامنة إلى العاشرة مساء، وكانت نشرة الأخبار تبدأ دائمًا بأخبار زعيمنا الشيوعي، ما قاله أو قام به في هذه المناسبة أو تلك. وكانت مصادر معلوماتنا البديلة في تلك الأيام، هي محطات الإذاعات الأجنبية، فكان الناس يستمعون إلى النشرات الإخبارية التي تبثها المحطات الأجنبية القليلة التي كانت تُبث بالرومانية، حتى يقفوا على ما يحدث في بلدهم وخارجه. كانت الأسرة كلها تستمع لتلك المحطات، ولكن نادرًا ما يذكرها أحد في وجود آخرين. كان الكل يفعل ذلك سرًّا، خوفًا من بطش السلطات.

في أواخر الثمانينيات كان الكل يأمل أن تكون تلك آخر أيام الزعيم ونظامه، ولكن لم يكن أحد يعرف متى يحدث ذلك أو كيف. وفي إحدى الأمسيات، وكانت في منتصف ديسمبر/كانون الأول 1989 عرفت من النشرة التي تبثها إذاعة صوت أمريكا أن الاحتجاجات بدأت في تيميسوارا، وهي مدينة تقع في الجزء الغربي من رومانيا. كان كل شيء هادئًا في بلدتي، ولكن ثورة كانت قد بدأت تندلع في تيميسوارا ثم في بوخارست.

أيام قلائل بعدها، وفي 22 ديسمبر/ كانون الأول، سمعت، ثم علمت من محطة الإذاعة الرومانية الحكومية، وشاهدت في التلفاز الاحتجاجات تجتاح بوخارست والمدن الكبرى الأخرى، وما تلا ذلك من سقوط النظام. كان حديث الناس ملؤه الأمل والحماس لثورة ستأتي بتغيير لطالما انتظرته رومانيا. وها هي أول ثورة تُبث على الهواء مباشرة على شاشات التلفزة، تندلع وتجري أمام أعين العالم المشدوهة. البعض كان يشاهدها من مقعد وثير في البيت، والبعض الآخر انطلق إلى الشوارع ليلعب دورًا فعالاً في تلك الأحداث المثيرة والمفعمة بالتضارب والحيرة.

ننتقل بالمشهد سريعًا إلى 2011. نظرة إلى الخلف على الثورة و20 سنة تلتها، شهدت التحول إلى الديمقراطية واقتصاد السوق، ويتساءل المرء عما حققته الثورة للمواطن الروماني.

أول وأهم ما حققته: الحرية، وهي في رأيي أهم المكتسبات لرجل الشارع: حرية التحدث، وحرية الاجتماع، وحرية التنظيم، وحرية الصحافة، وحرية التنقل. تلك كلها حريات أساسية حُرم منها المواطن الروماني زمنًا طويلاً، فأضحت لديه الآن من المسلمات. ألحظ الآن أن بعض أبناء جيلي ومن هم أكبر سنًّا قد نسوا كل ما يتعلق بالحرمان من تلك الحريات قبل 1989، بينما لم يعلم آخرون عن ذلك الحرمان شيئًا؛ لأنهم كانوا صغارًا حينها، أو لم يولدوا بعد.

والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف نستخدم حريتنا، ولتحقيق أية غاية؟.. فبعد أن عاش الناس عقودًا في ظل نظام قمعي، ها هم يشعرون الآن بأن من حقهم استخدام تلك الحرية التي اكتسبوها حديثًا، بل والإفراط في استخدامها أحيانًا. فبعد أن تحرروا من الخوف والقيود، شعروا بأن لهم الحق في أن يفعلوا ما يحلو لهم، تحت شعار: "نحن نعيش في بلد حر". وذلك أن فكرة المسئولية التي تصاحب الحرية دائمًا كانت بطيئة نوعًا ما في تسللها إلى نفوسهم.

يربط الكثيرون بين الحرية والازدهار، ويتوقعون أنه بمجرد توفر الحريات الأساسية والانتخابات الحرة، ستأتي الثروة من تلقاء نفسها. ولكن الواقع علمنا أن الانتخابات، وإن كانت حرة، فقد لا تكون نتائجها مرضية. فالنزيه وغير النزيه يستطيع الترشح للانتخابات، وهو ما يفرض ضرورة وجود آليات لمساءلة القيادات المنتخبة (والمعينة). تعلمنا أيضًا أن الطريق إلى الازدهار أكثر طولاً ومشقة مما كنا نتوقع. عرفنا الآن أن الحرية السياسية أمر جيد، ولكنه ليس بكافٍ إلا إذا صاحبه إصلاح اقتصادي يخلق نموًّا وازدهارًا لأكبر عدد ممكن من المواطنين. فالرومانيون الذين اجتاحوا الشوارع معرضين حياتهم للخطر في ديسمبر/كانون الأول 1989 أقدموا على ذلك أملاً في حرية وحياة أفضل لهم ولأبنائهم.

لقد أثبتت التجربة أن المكتسبات، في حالة الثورة الرومانية، لم يتم توزيعها بشكل متساوٍ على الأجيال المختلفة. فقد تمتع جيلي بالمكاسب كاملةً؛ حيث استفدنا من الحريات والفرص الكثيرة التي أصبحت قائمة: حرية التعبير عن أفكارنا، وحرية السفر، وحرية تحويل أفكارنا إلى واقع، وإنشاء الشركات أو المنظمات غير الحكومية، وفرصة الدراسة و/ أو العمل في الخارج، والنفاذ إلى المعلومات، وبشكل عام، حرية المرء في اختيار مسار حياته.

أما بالنسب لجيل آبائي، فقد جلبت لهم الثورة التي اندلعت في ديسمبر/ كانون الأول 1989 حرية سياسية وفرصًا اقتصادية، ولكن صاحبها ضيق اقتصادي. فمن بين ما جاءت به الثورة عدم الأمان الوظيفي، والبطالة (في بلد كانت البطالة فيه شبه غائبة قبل 1989)، والتمييز على أساس السن في سوق العمل، والشعور بعدم الرضا والإحباط من نظام جديد كان ما قدمه لمواطنيه أقل وأبطأ مما انتظروه منه.

هذا الشعور بانقشاع الوهم تبدى بوضوح مرة أخرى في استطلاع رأي أُعلنت نتائجه في يوليو/تموز 2010، وأظهر أن 41% ممن شملهم الاستطلاع قد يصوتون للزعيم الشيوعي نيكولاي شاوشيسكو لو ترشح للرئاسة بين آخرين. لم يكن أحد يتخيل في أوائل التسعينيات، أن الناس قد يحنون، بعد عشرين سنة، إلى هذا الزعيم السابق!.. وفي الاستطلاع نفسه قال أكثر من نصف المشاركين (54%) أن مستوى معيشتهم إبان النظام الشيوعي كان أفضل مما هو عليه الآن. من بين ما تعكسه تلك النتائج أن نوعية الحياة، في نظر الكثيرين، أصابها الجمود أو ساء حالها، بينما كان التوقع العام أن يأتي تغيير النظام في 1989 بحياة أفضل، وأن يتمتع الجميع بمكاسب النظام السياسي والاقتصادي الجديد.

عندما أعود بخاطري إلى الوراء، أدرك أن أوائل التسعينيات كانت فرصة رائعة وتحدٍ عظيم. ولا أستطيع أن أمنع نفسي عن التساؤل عما إذا كنا قد أفدنا من تلك الفرص أقصى استفادة ممكنة، وأتساءل عما كان باستطاعتنا أن نفعل بشكل أفضل للتغلب على التحديات التي واجهناها. آهِ لو كانت لنا رؤية أفضل حول الوجهة التي نريد أن نسير بالبلاد إليها، وأن نختار زعماء أفضل ليصلوا بنا إلى تلك الوجهة... آهِ لو كان الشرفاء واللامعون قد تحلوا بشجاعة تبوُّء المقاعد الأمامية والنشاط في المجال العام، وكنا على حصافة ٍودراية فدعمناهم... آهِ لو كنا قد اتخذنا قرارات أكثر استنارة وشاركنا بنشاط أكبر في التحول الذي شهدته رومانيا بعد ثورة ديسمبر/ كانون الأول 1989.. آهِ لو.

Hello World!

TOP